العلامة الأميني
331
النبي الأعظم من كتاب الغدير
نعم ، كان يرى الرجل كلّا من أولئك الصفوة البررة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر طاغيا اتّخذ عليّا عليه السّلام سلّما ويعدّه كهفا وملجأ يدافع عنهم بوادر غضب الخليفة ، ويحول بينهم وبين ما يرومه من عقوبة تلك الفئة الصالحة الناقمة عليه لما ركبه من النهابير « 1 » ؛ فدفع هذا المانع الوحيد عن تحقّق هواجس الرجل كان عنده أولى بالنفي من أولئك الرجال المنفيّين ، ولو لاه لكان يشفي منهم غليله ، ويتسنّى له ما كان يبتغيه من البغي عليهم ، واللّه يدافع عن الّذين آمنوا وأنّه على نصرهم لقدير . على أنّه ليس من المعقول أن يكون من يأوي إلى مولانا أمير المؤمنين وآواه هو طاغيا كما يحسبه هذا الخليفة ؛ فإنّه لا يأوي إلى مثله إلّا الصالح الراشد من المظلومين وهو عليه السّلام لا يحمي إلّا من هو كذلك ، وهو وليّ المؤمنين ، وأمير البررة ، وقائد الغرّ المحجّلين ، وإمام المتّقين ، وسيّد المسلمين ؛ كلّ ذلك نصّ من الرسول الصادق الأمين . وليتني أدري ممّ كان يغتمّ عثمان من مكان أمير المؤمنين عليه السّلام بالمدينة ؟ ! ووجوده رحمة ولطف من اللّه سبحانه وتعالى على الأمّة جمعاء لا سيّما في البيئة الّتي تقلّه ، يكسح عن أهلها الفساد ، ويكبح جماح المتغلّبين ، ويقف أمام نعرات المتهوّسين ، ويسير بالناس على المنهج اللاحب سيرا صحيحا . نعم ، يغتمّ به سماسرة النهمة والشره فيروقهم بعاده ليهملج كلّ منهم إلى غاياته قلق الوضين « 2 » . وما كان هتاف الناس به يومئذ إلّا لأن يقيم أود الجامعة ، ويعدّل الخطّة العوجاء ، ويقف بهم على المحجّة الواضحة ، غير أنّ ذلك الهتاف لا يروق من لا يروقه ذلك كلّه ؛ فالاغتمام به جناية على المجتمع الدينيّ ، ووقوف أمام سير الصالح العام .
--> ( 1 ) - [ « النهابير » : جمع نهبورة ؛ وهي المهالك ، وأصلها الحفر بين الآكام ] . ( 2 ) - [ « الوضين » : بطان منسوج بعضه على بعض يشدّ به الرحل على البعير . وقوله : « قلق الوضين » أي سريع الحركة يوصف بالخقّة وقلّة الثبات ؛ كالحزام إذا كان رخوا ] .